السبت، 24 يناير 2015

حلب سيمفونية الابداع الصناعي - من سامي صايم الدهر الى مصطفى اوبري



حلب سيمفونية الابداع الصناعي
سامي صايم الدهر ومصطفى اوبري 

سامي صايم الدهر 1935   -  مصطفي اوبري    1990


الحلبيون بشكل عام متذوقون للموسيقى سميعة متميزون , يطربون للآذان المرفوع من مآذن مساجدهم أو ترتيلة من صبية في إحدى كنائسهم كما يطربون لوصلة موشحات من محمد خيري اوصبري الملل .
وهم ذواقون للطعام الطيب , متبحرون في إسرار التوابل واستخداماتها , والمطبخ الحلبي لا يضارعه مطبخ في العالم , وقد ينافسه المطبخ التركي في اللحوم ولكنه يتنحى له في المحاشي  والكبب .
ولعل التعددية التي حظيت بها حلب من تنوع ديني (مسلمين ومسيحيين ويهود) وعرقي (لعرب وكرد وارمن) والاجواء التي سادت هذه التعددية من تسامح وتعاون ومحبة , وانصهار هذه المعطيات أدى إلى تكامل أنتج الشخصية الحلبية التي لا تخطىء فيها كل تلك التعدديات السابقه .
وانفتاح المدينة على الثقافة الغربية بوجود المدارس العربية والاجنبية  ساهم في ترسيخ أطر حضارية حافظت عليها هذه المدينة واغنت تراثها وثقافتها في مختلف الجوانب .
والطموحات لدى الشخصية الحلبية لا سقف لها , وروح المغامرة متجذرة في اعماقها , مما ابرز الكثير من الشخصيات التي اشتهرت وعرفت بإبداعاتها الفنية والتجارية والصناعية .
ومن خلال اطلاعاتي على الإبداعات الصناعية لشخصيات صناعية متميزة استوقفتني شخصيتان متألقتان تميزتا بأحداث طفرة على الصعيد الصناعي في بلاد الشام .
الشخصية الأولى هي شخصية المغفور له الحاج سامي صايم الدهر الذى تحكى عنه الحكايا وتروى عنه وعن أعماله الروايات فقد كانت له اليد الطولى في تأسيس غرفة صناعة حلب عام 1935 ورأس الغرفه بعد ان وضع صناعة النسيج في طريق التطور والحداثة والازدهار وذلك في عز الامة المالية العالمية وابتلاء سوريا بالانتداب الفرنسي البغيض . ولانني عرفت هذه الشخصية بشكل افتراضي فيما قرأت وسمعت سأترك الحاج سامي يتحدث عن انجازاته كما ورد في مقابلة صحفية مع المضحك المبكي المصورة في (العدد رقم 1 بتاريخ 30 ايار 1936 ):

" الحاجة ام الاختراع والحاجة هي دعتنا للسير إلى الامام في تحسين صناعتنا القديمة ونحن لم نخترع ولكننا اقتبسنا ما اخترعه الغير فقد بدأ ابناء الصناعات منذ اخذت الازمة المالية تشد الخناق على هذه البلاد يفكرون بطريقة تجعلهم في غنى عن كل مايرد اليهم من البلاد الاجنبية وانصرفت الاذهان منذ عام 1923 الى استعمال الوسائل الصناعية التي استعملها الاجانب وكنت في هذه المدينة اول من اخرج الفكرة خاصة فيما له علاقة بالنسيج من حيز التصور والقول الى حيز التنفيذ وكان المعمل الذي اسسته اول معمل للنسيج الوطني ولست لأسرد المصاعب التي تكبدتها في بادىء الامر لانه لا يخفى عليكم ان كل عمل في بدء امره يكلف صاحبه كثيرا الى أن يثمر عليه ، غير انني جعلت خدمة الوطن نصب عيني وقاومت المرحلة الاولى بجهود جبارة الى ان وصلت للغاية التي توخيت وتكللت اعمالي بالنجاح وذهبت الى فرنسه وبعد ان اطلعت على صناعتها ومنسوجاتها واقتبست منهجا في صناعة النسيج عمدت الى ايجاد "الماكنات" الفنية ، فأخذ الكثبرون يتبعون الطريقة التي سلكت .. وها نحن نعد اليوم في حلب خمسة عشر معملا فنيا للنسيج وهذا التقدم في صناعة النسيج  حدا بالصناعات الاخرى التقدم فارتقت صناعة الصباغة الى درجة كافية لتأمين الحاجة وانشئت مصابغ فنية عديدة في البلاد السورية ولكنها مازالت بحاجة الى التحسين وكذلك كان شأن الانسجة الصوفية والكلسات والقمصان الداخلية والخ.....
-        كم كانت البلاد تستورد من النسيج الاجنبي وكم يرد اليها اليوم .
-        لقد بلغ مجموع ماورد من الانسجة الحريرية والمخامل ( والدانتيل) وما شاكلها من البلاد الاجنبية الى البلاد السورية خلال الثلاثة اشهر الاخيرة من عام 1935 ما بلغت قيمته 457039 ل.س بينما لو عدنا الى عام 1924 وما بعد لوجدنا ان قيمة ماكان يردنا من هذه الاصناف تبلغ  اربعة او خمسة اضعاف هذا المبلغ .

-        وماهو عدد العمال الذبن يشتغلون في صناعة النسيج في حلب :
-        مايقارب العشرة آلاف عامل , وهؤلاء متفرقون بين المعامل الفنية المنشأة على الطراز الحديث والمعامل القديمة ذات الطراز العربي القديم
-        هل يصدر شيء من مصنوعاتنا ونسيجنا الى الخارج والى اي البلاد ؟
-        لقد سدت جميع الابواب في وجه المصنوعات السورية فالمنفذ الاكبر لبلادنا هي البلاد التركية والعراقية ولكن السياسة حكمت فقضت ! وأصبح ما يصدّر من بلادنا اليوم لا يستحق الذكر لأن فلسطين هي المنطقة الوحيدة التي تستورد القليل من منتجاتنا .
-        وماهي المواد الاولية التي تحتاجها صناعاتنا الوطنية ؟ وهل يمكن لبلادنا سد العجز من هذه المواد ؟
-        ان كافة المواد الاولية التي تحتاجها صناعاتنا الوطنية تستورد من الخارج وليس لبلادنا ان تسد العجز من هذه الجهة , لان ذلك يحتاج الى معامل واسعه تكلف الكثير من المال وليس لمنتوج هذه المعامل فيما لو تأسست من منفذ لتصديره اما الخيوط القطنية فنؤمل ان تقوم شركة
الغزل والنسيج التي تأسست مجددا في حلب مع المعمل الموجود في طرابلس بسد حاجة البلاد بأسعار معتدلة .
وقد ختم الحاج سامي صايم الدهر حديثه مشيرا الى ضرورة العناية بأمر العمال الذين يزداد عدد العاطلين منهم يوما بعد يوم قائلا بأنه اذا لم تلغ الحواجز الجمركية بيننا وبين العراق وفلسطين فإن عدد العمال سيزداد يوماً بعد يوم.
وما تحقق  على يدي هؤلاء الرواد معجزة حقيقية بكل المقاييس واستمرت النجاحات ...
كان لمعرض دمشق الصناعي 1936 سبق التعريف بالمنتجات السورية وكان لشركة صايم الدهر جناح متميز .
قدم الاستقلال السوري لرجال الأعمال السوريين أجنحة أوصلتهم إلى العالم وتسهيلات حولت البلاد إلى ورشة عمل وإنتاج وأضحت عبارة صنع في سورية علامة من علامات الجودة في العالم . وشريانا يضخ الثروة في البلاد ويعم بالخير على الجميع .
هلل السوريون بمعظمهم للوحدة السورية المصرية , ومنعتهم اندفاعاتهم القومية من إعمال العقل لقيامها على نحو مدروس يؤمن لها الاستمرار ويأخذ بنظر الاعتبار خصوصية كل قطر على حدة  ,
كانت زيارة الرئيس جمال عبد الناصر لحلب عرسا حقيقيا لكل الحلبيين وعلى رأسهم الحاج سامي الذي ناب عن اهل مدينته بتكريم أقطاب الوحدة بكل إمكاناته , فكوفئ هو وأمثاله من الفعّاليات الصناعية بالتأميم .. هذا الخنجر الذي اغتال أعلام دعائم الاقتصاد السوري ورموز تطوره , وحول تلك المنشآت الى كيانات متدهورة يعيث فيها الفساد وترهق البلاد والعباد بخسائرها حتى الان وقد مضى نصف قرن .
اذا كان للمدن ان تكرم مبدعيها , فمن حق المرحوم الحاج سامي صايم الدهر أن يكون له تمثال في إحدى ساحاتها للذكرى والعرفان .

  

 
المرحوم مصطفى محمد اوبري (1944- 2010 )

مصطفى اوبري ينتمي الى بيت من بيوتات حلب الصناعية التي قوضت اركانها قرارات التأميم التعسفية ابان الوحدة التي ذكرناها آنفا , فوالده الحاج محمد شيخ الصناعيين واخيه محمد محمد اوبري الذي ورث مشيخة الصناعيين في حلب عن أبيه ورأس الغرفة الصناعية في حلب نيفا وثلاثين عاما وأعتقد أنّه مازال رئيسا فخريا للغرفه .
ولأنّ مصطفى اوبري كطائر الفينيق , يتجدد لبداية وانطلاقة , كانت لبنان مركزه حيث القوانين التي تشجع الصناعة والاستثمار واسس صرحا صناعيا ومصبغة عصرية للنسيج كانت الاولى في العالم العربي واتسعت اعماله في التصدير الى كل مكان .
الحرب اللبنانية التي اكلت الاخضر واليابس كانت منشأته الصناعية من ضحاياها في ذوق مصبح وتحولت الى ثكنة عسكرية لفريق من المتحاربين ولازالت تعرف بثكنة "الاوبرلي"  حتى يومنا هذا .
اكلت الحرب المنشأة الصناعية والاموال , لكن الخبرات التراكمية التي استقرت في العقل الصناعي من الاحتكاك والاسفار الكثيرة والاطلاع على التقنيات الجديدة في العالم ظلت كامنة عند الحاج مصطفى بانتظار فرصة لبداية جديدة . 

عانت سوريا في اواخر الثمانينات من القرن الماضي حصارا اقتصاديا طال كل شيء حتى الغذاء والدواء فكانت سوريا تعتمد على الدواء المستورد لعدم وجود صناعة دوائية ما خلا منشأتين للدولة وورشات صغيرة لاترقى لكونها معمل ادوية .
لمعت الفكرة الصناعية وكما فكّر قبله الحاج سامي "الحاجة ام الاختراع" كانت الرحلة الى الدول الأوربية لإجراء عقود لصناعة مستحضرات صيدلانية بامتياز مع احدى الشركات الكبيرة للتعاون معها لإنشاء الصرح في حلب .
وتسلح الحاج مصطفى في رحلاته بجناحين هما اخاه الكبير محمد الصناعي والقانوني وثانيهما المرحوم جورج مراش الصناعي وقنصل بلجيكا في حلب ورجل العلاقات الدولية , وكانت الصعوبات كبيرة فما من شركة متعددة الجنسيات تغامر بمنح الامتياز لشركة سورية وأسباب القلق كثيرة  فنية وسياسية الخ..... ولكن الإصرار والمتابعة حققت النتائج المرجوة لبداية معقولة للانتقال الى الصرح الاكبر الذي يمتد فوق مساحة تتجاوز المائة الف متر مربع في منطقة الزربه التي تبعد عن حلب عشرون كيلومتر باتجاه الطريق الدولي لدمشق . 
هذا الصرح الذي يعد الأكبر في الشرق الأوسط في المساحة والتقنيات المتعددة لإنتاج الأدوية البشرية وأدوية المستشفيات والمتممات الغذائية ويتمتع بسمعة عطره لإنتاجه الذي يصدر إلى عدة دول عربية وأجنبية .
مع وجود أعداد هائلة من الفنيين والعمال , المرحوم مصطفى اوبري يغادر منزله في الشهباء في السادسة صباحا (حتى يوم وفاته رحمه الله ) ليكون اول الواصلين ولتفقد الجميع وهم على رأس عملهم , صارما,  قاطعا,  مباشرا , لا يترك شاردة ولا واردة , إلا وبضعها في نصابها ,  من مستلزمات الإنتاج  الى وجبات الطعام التي تقدم لعمال الشركة .
كان مهتما بالاطلاع على كل جديد في عالم الدواء , وقد سخّر اسفاره الكثيرة في التطوير والتحديث ، وكان يرسل البعثات من العاملين للاطلاع الفني الى شركات الامتياز الام والى المؤتمرات والمعارض الدولية , استيراد الكتب والمراجع الدوائية الحديثة اولاً بأول . 
وكان اهتمامه بالعامل البشري ورفع المعاناة عن العاملين شغله الشاغل فلا تجد عاملا من العمال إلا ويسرد لك رواية عن معاناة شخصية او ازمة ساعده الحاج مصطفى بتجاوزها مادية كانت ام معنوية ويرسل لروحه الرحمات .

مصطفى اوبري الإنسان
اعلم ان شهادتي مجروحة بالمرحوم مصطفى , جمعتنا الصداقة والعمل فقد عملت مستشارا له منذ التأسيس وحتى وفاته ورافقته في أسفاره وزياراته إلى معظم بيوتات الأدوية والمستلزمات في الولايات المتحدة واوربا , وعرفته عن قرب , عرفت فيه الإنسان النقي الطاهر الورع المجتهد في عمله وصاحب القرار , واللماح الذي تؤيده فراسة في الأشياء والأشخاص  , ورغم ما أشيع عنه من سرعة الغضب والعنف , كان في قرارة نفسه وديعا , خجولا , حنونا على أسرته وأصدقائه , وكان الكرم يميزه ولايختلف اثنان على كرمه الذي يفيض عن طيب نفس بلا منة .
رحم الله مصطفى اوبري واسكنه فسيح جناته .
سمعت الكثير عن الحاج سامي صايم الدهر في طفولتي وعرفت الحاج مصطفى اوبري عن قرب , وتشابه الشخصيتين دعاني لأكتب عنهما هذا الوجيز رحمهما الله وطيب ثراهما . شموع اضاءة وفيض خير
محمد بسام سلام




الجمعة، 4 يناير 2013

عبقريات شامية - احمد شوكت الشطي -بقلم فتحي دانش


عبقريات شامية

احمد شوكت الشطي   دأب علماء المسلمين مذ ابتدأت الدعوة الإسلامية إلى النزوع نحو الموسوعية وإتباع المنهجية في مؤلفاتهم العلمية والفكرية , بدافع أساسي وهو خدمة الإنسانية بشكل عام ومجتمعهم بشكل خاص ,   ابتغاء لمرضاة الله . فرأينا المؤرخ والمفكر و الفيلسوف  والطبيب وعالم الفلك يمتزجون في شخصية واحدة , تبدع في مجمل تلك العلوم وكأنها اختصت في كل علم على حدة . ومع تقدم الزمن وانتشار الاختصاص , أصبح ما سبق قصرا على العبقريات لصعوبة الخوض في أكثر من علم , وعبقريتنا الشامية هي الدكتور احمد شوكت الشطي الذي انتقل إلى الرفيق الأعلى وآخر زاده رسالة الحضارة الإسلامية والسلام إلى جانب العديد من المؤلفات , علم ينتفع به  , جعلها الله صدقة جارية في ميزان حسناته وشفيعته إلى جنات الخلد .

ولد احمد شوكت الشطي داخل أسوار دمشق في غرة القرن العشرين و  في حي العمارة الحي الدمشقي العريق  , فتنسم عبق الياسمين وعششت رائحة الوردة الشامية في ثنايا وجدانه فتواكبت مع سيرة حياته العطرة أخلاقيا واجتماعيا وعلميا . ولان مساجد دمشق الشام كانت في ، آن معا , دور عبادة ومدارس للصغار والكبار على أيدي علماء الشام المتطوعين لخدمة الأجيال , في التفسير والحديث والسنة النبوية الشريفة وأخبار السلف الصالح , فكانت المنهل الثر للمعرفة مشافهة من العلماء مباشرة مما ترك أثرا واضحا لمسناه في منهجية مؤلفاته الإسلامية التاريخية والإنسانية والعلمية . وجماع القول أن الله جل وعلا حبا دمشق بعبقريات رافقت تاريخها الطويل في العلوم والآداب والمعارف الإنسانية , شكلت نبراسا , لطريق الهدى والتقدم ومن هذه العبقريات الاستاذ الدكتور احمد شوكت الشطي .  

  حاز على إجازة الطب من معهد الطب العربي في مدينة دمشق عام 1921 وعيّن طبيباً داخلياً في مستشفى المعهد ، أوفد إلى فرنسا وحاز على دبلوم في عل الصحة من جامعة مونبليه ، كما حاز على دبلوم في الطب الشرعي من جامعة ستراسبورغ ، ومن ثم دبلوم في علم النسيج والجنين ، ودبلوم في علم التشريح المرضي من الجامعة في باريس . شَغل كرسي التدريس للتشريح المجهري والجنين والتشريح المرضي في معهد الطب العربي بدمشق عام 1926 . أسس أول مخبر للنسج والجنين والتشريح المرضي عام 1926 في معهد الطب العربي بدمشق ، وظل رئيساً لذلك القسم أو أحد فروعه حتى إحالته للتقاعد عام 1960 . رئس مخبر الجنين حتى عام 1965 . وتابع تدريسه كأستاذ ومحاضر حتى عام 1970 . عيّن أميناً عاماً لوزارة الصحة منذ عام 1951وحتى عام 1955 . وهو من الأعضاء المؤسسين لنقابة أطباء دمشق ، وأيضاً من مؤسسي جمعية الهلال الأحمر العربي السوري ، وجمعية أصدقاء دمشق . انتخب رئيساً لمنظمة الهلال الأحمر العربي السوري .. شارك في معظم المؤتمرات الإنسانية الدولية .. وكان الصوت الدافع عن الحق والعروبة .. من مؤلفاته .. السريريات والمداوات الطبية  1928 ، علم تكوين الجنين 1935 ، الرياضيات المسنونة  1942 ، نظرات في الصيام 1944 ، نظرات في ابن القيّم 1950 ، التشريح المرضي الخاص 1952 ، الطب العدلي 1956 ، آداب الطب 1956 ، الثقافة الصحية والغذاء في الإسلام 1958 ، تاريخ الطب قبل الإسلام 1959 ، مختصر تاريخ الطب عند العرب 1960 ، تاريخ الطب عند العرب 1961 ، ابن سينا (بثلاث لغات) 1962 ، العرب والعلوم الإنسانية 1967 ، مستحدثات في العوامل المسرطنة 1970 ، رسالة الحضارة الاسلامية والسلام 1978 ... وتوفي ودفن في دمشق عام 1978
Unlike · · Share

السبت، 29 ديسمبر 2012

دعوة حوار

دعوة حوار

دعوة عُبور في عوالم اللُّغة العربيّة، بدأت البحثُ من صوتِ الحرف ومَخارجِ نُطقه وترتيب مُسمّياته لاستنتاج نظرية قادرة على تفسير فقه المعنى، من خلال استنطاق دلالة مسمّيات حروف الأبجديّة، ومن ثمّ تطبيق المنهج الاستدلالي على بعض ما ورد في كلام العرب وديوانهم الشعري مستعيناً بمقاربة مع التنزيل الكريم، كما يلي:
صوت الحرف
  • تشكّل صوت الحرف من تصادم الهواء المندفع من الرّئة مع حواجز تحكّمت بمخرجه أثناء تدرجه من ءَاله النّطق، أسماها الفراهيدي: المدارج.
  • تلقّت أذن السّامع الصوت وحفظته بعد أن ميّزته كنبضه لها هيأة مميّزة، للتتمكن من محاكاتها واستردادها وتبويبها، ليشكل هيئة الحرف.
  • صنّفت الأصوات كنبرات لها هيآت أمكن تقليدها وتداولها لتشكيل بداية النطق، مشكّلة أساس بناء الأبجديّة.
مسمّى الحرف
  • معنى كل حرف من حروف الأبجدية كامن في مسمّاه، فهو متألف من حرف بادئ مميّز بحركة بنائية (فتحة، ضمة، كسرة) ومن حرف وسيط هو من أحد صيغ حرف الألف أي (ألف مد، واو ياء) ومن حرف ثالث يمثل نقيض الحرف البادئ.
  • أعلن الحرف البادئ في المسمّى عن عنوانه، والحركة عن اتجاهه والحرف الوسيط عمّا يبحث والحرف الثالث المعارضه التي يلقاها.
  • أخذت الحروف وفق ذلك معانٍ تبنّاها المجتمع الذي ابتدعها أوّل مرّة، ونسج من خلال ذلك قصد الكّلِمة.
ترتيب حروف الأبجديّة
ترتيب الحروف وفق نسق (أبجد هوز..الخ) يدل على مصدر اشتقاق معناها من هيئة الحرف وفق نشأة الكون، وقد قمنا بمقاربة بين جدول مندليف للعناصر الكيماوية، وجدول نشأة الحروف، وكذلك بنشأة الكون وفق نظرية الانفجار العظيم. تقوم منهجيّة بحثنا على استنطاق مَعاني مسمّيات الحروف من خلال جدليّة الأضداد، فالحروف تجري في مسارات تقوم عليها الألفاظ، ووجهة الحرف هي في حراك زمكانيّ بحكم جدليّة توازن التناقض، ولكل حرف صفات مختلفة عن غيره تظهر في حركته وبناء معناه، وهو ما يحدّد وجهة حركة اللّفظة وتأليف الكَلام. دراسة الأبجديّة هنا تقوم على مقابلة أسماء الحروف ببعضها لمعرفة اتجاه حركة الحرف واستنطاق سبب اتخاذه اسماً خاصاً به، وتعيين دلالة المسمّى، ومن ثمّ محاولة الوصول إلى المبرّر الجدليّ والمنطقيّ لتتابع نسق ترتيبها.
المنهج الاستقرائيّ يستدعي العودة إلى تراكيب الأبجديّة، واستنباط معاني حروفها، كلّ على انفراد، لمعرفة تطوّر هذه المعاني ومقاربتها لغويّاً ومعنويّاً.  لتتابع الحروف مَعنىً فلسفيّ، في تكوينها، ونشاطها، وفعلها، وءَاليّة اختصاصها. فكمون الطّاقة المحفّزة بالهمزة هو قبل باء الانبثاق، فلا يكون الانبثاق إلّا من ضغط يسبّب تفجّره، وفي هذا الحراك تظهر جدليّة الكَمّ والكيف في انبثاق الباء من ضغط الطّاقة الكامنة. والجمع والدّمج بالجيم يكون بعد التشتّت الانفجاريّ.
هكذا، يمكن التَّأكيد على أنّ الحرف هو وعاء وهيئة الصّوت؛ تأخذ به الكَلِمة في ميادين الأفكار متنقّلة بأصوات نُطقها، كي تعيد باستمرار صياغة الزّمن في مساحة المعرفة، وتضعها في تيّارها الحركي. وأنّ لمسارات حِراكَها الزَّمكانيّ وجّهة محدّدة، وأنّ ترتيب الأبجديّة ليس بعشوائيّ، بل وفق نسقٍ إيجابيِّ السّلوك تتابعاً، وسلبيّه إذا ما تعاكس.
اتخذ الحرف نقيضه في مسمّاه للدّلالة على فاعليته، فأظهره النّقيض، كذلك أظهر تجانس اتجاه المجموعات وفقاً لخصائصها، ووفقاً لنظرية توازن التّناقض. هذا مع مراعاة أهميّة وسيلة الاتصال والتّواصل بين النّقيضين، فهي، أي الوسيلة، دالّة على اتجاه الحركة في أيّ من أبعاد الزّمان، أو المكان، أو الزّمكان.
لذلك نقرأ حركة الجدل في الحرف من خلال تعاقب حروف مسمّاه، ويدلّنا على قصد حركته مَنْ يأخذ بِهِ إلى نقيضه، وهو وسطه، ومن إدراك كيفيّة الحراك نستدل على سببه الذي عيّن الكيفيّة قبل أن تتكوّن. فنحن مع الحرف في حركة جدل معرفـيّ، إذ الأصوات المتعاقبة لمكوّن حركته مستودعة فيه، نفكّكها كي نستعيدها. حركة الجدل بيننا وبينه تضمر سيرتنا التاريخيّة وإيّاه، وهي لم تجر اعتباطاً وإنّما على سجيّتها، وفق جدل الكون ونحن منه، ولهذا نقرأ الحرف من خصائص مألوف ما عَقلناه.
إنّ وضع الكَلِمة في مكانها بين أهلها يقوم على فهم وجه الحركة فيها المتمثّل في اللّفظ الأصل، ولا يستطيع متحرّك أن يتحرّك وهو لا يعرف جهة تحرّكه
غاية الحوار
مقتضيات التثبّت من صحة منهجنا هو بيان الآراء المُخالفة، ما ذكره السّلف، وما نسعى من خلال التواصل معكم عبر هذا الموقع أو بأيّ وسيلة تساهم في متابعة تقصّي فقه المعنى لا فقه اللّغة فقط.
الموقع
نافذة استطلاعيّة تواصليّة لمتابعة قراءة كلام العرب وفق فقه المعنى وقصد الكَلِمَةِ القائم على جدل مكوّنات حروفها.
للحصول على الكتاب
Picture 198Picture 199
الناشر: دار كنعـــان للدراسات والنشر والخدمات الإعلاميّة
ص ب (443) دمشق- سورية
هاتف: 2134433 11 963+
فاكس: 3314455 11 963+
e-mail: said.b@scs-net.org
التوزيع: الفرات للنشر والتوزيع:
بناية رسامني – شارع الحمراء
ص. ب: 6435 / 113 بيروت- لبنان
هاتف: 750054 1 961+
فاكس: 750053 1 961+
e-mail:alfurat@alfurat.com

المدارج والمعارج

المدارج والمعارج

قادنا مبدأ عدم هلاك الحركة، لنستنتج أنّ الموجة الصّوتيّة للأحرف تكشف عن انتقال حركتها المتذبذبة بين محوري الزّمان والمكان، بهواء الألف ومن خلال المخارج وبتوصيف المعارج، كما يلي:
  • المدارج، كما يُسمّيها الفراهيديّ، وتمتد من أقصى الحلق مُروراً بالمراكز السّبعة وهي: الحلق، ونطع الغار، وشجرة الفم، واللّسان مقدّمته ونطعه وأسلته، واللّثة، والأسنان ثمّ الشّفتان. نمثّلها بالمحور الأفقيّ للموجة الصّوتيّة.
  • المعارج (المراقي)، أطلقنا تسميتها على الحركات الأربعة. نمثّلها بالمحور العموديّ للموجة الصّوتيّة. وهي الفتحة الزّمكانيّة. الكسرة الزّمانيّة؛ تفيد بيان الباطن. والضّمة المكانيّة؛ تفيد بيان الظّاهر، أي خاصيّة التّموضع المكانيّ. ثمّ السّكون عند التوقّف؛ أي جهد التثبيت.
  • حرف الألف الممدود (ا) غير المكلّل بالهمزة كتابةً، هو مدّ زمكانيّ تمادت به حركة الفتحة، «فالفرق بين الألف الممدود والفتحة، لا يعدو أن يكون فرقاً في الكمّية» كما ذكر إبراهيم أنيس عن ابن جِنِّي وغيره، لذلك لا نجده في مطلع أي تسلسل كونه يماثل متابعة الانطلاق حضوراً. فهو بين بين، نشير إليه للتّمييز بالخط الممتد بين الزّمان والمكان صعوداً أو نزولاً، للأظهار موقعه بين الظّاهر والباطن، وعدم تصارعه مع التجاذب الزّمكانيّ للموجة الصوتيّة.
  • كلّ انتقال لحرف من الحروف في مدارجه، عبر المحور الأفقيّ، لا بدّ أنْ تعرج (ترقى أو تميل) به حركة من الحركات، في المحور العموديّ، وإن توقّفت فثمّة سكون. يلاحظ أنّ التنوين استخدم حرف النّون في تسميته للدّلالة على قصد حركته. وهي وفق المعنى الحركيّ تفيد الإنشاء المستمرّ. إذْ قيل في المعاجم: إنّ التنوين هو علم التنكير، وترْكُه علم التعريف. نستنتج أنّ تنوين الضمّ يدلُّ على استمرار إنشاء العروج المكانيّ، وتنوين الفتح عند استمرار إنشاء التواصل الزّمكانيّ، وتنوين الكسر عند استمرار إنشاء التّواصل الزّمانيّ.إنّ نطاق التواصل موجة صوتيّة محمولة بين قُبّة قوس الظّاهر وقُبّة قوس الباطن، أي قاب قوسي الظّاهر والباطن. ذلك أنّ قبّتها وهي مُتحرّكة لها ظاهر وباطن: إنْ كانت صعوداً فوق المحور الأفقيّ، ويكون لها باطن وظاهر إنْ كانت نُزولاً تحت المحور الأفقيّ. وعندما تتوقّف الموجة عند أُذن السّامع يكون السّكون. وهذا مسار الحركة في الكَلِمة، تفصح عنها الفتحة والضّمّة والكسرة والسّكون. تبدأ الحركة وفق منهجنا بالهمزة، فتصعد ظاهراً كي تلامس مسامع ومدارك المُخاطب. ثمّ تنزلق عند نُقطة التّماس مع المحور الأفقيّ إلى باطن ينتهي بموجَة جديدة مُتصاعدة، وهكذا دواليك. وعند هذا التّماس يتداخل الالتباس بين قوس الظّاهر وقوس الباطن، فإن استوعبه المتلقّي انحنى استمراراً في التّواصل.
    دلّتنا معارج الحركة، الّتي يتذبذب خلالها الصّوتُ صُعوداً ونُزولاً، في موجة ونطاق التّواصل بين قوس الظّاهر وقوس الباطن، أنّ حركة الواو بالضّمّة حيث يتموضع الصّوت، تمثّل تعارض الجاذبيّة للتثبّت المكاني، وهي إيحاء وتوجّه لبيان المكان، ليظهر أنّ الصّوت هو عند الشّفتين وبهما. فهي إذن مَنطق الظّاهر. بينما في حركة الياء بالكسرة كمدلول زمني، وحيث الزّمان يضمر الاحتمالات المجهولة، يبطن الموجة نزولاً. فحركة الياء مسترجِعة موجةَ الصّوت إلى حيث بدأت تفرض الملاحقة، فهي تساير الجاذبيّة وتمتد معها، مِمّا يعني منطق الباطن. وعندما تمادت حركة الفتحة بين الزّمان وبين المكان، دون مقاومة للجاذبيّة، تجمّد اتجاهها بين الظّاهر والباطن، ليتشكل ألف المد، فهو مستتر بصيغ الهمزة والواو والياء. ويمثّل التعامد بين الزّمكان، إذ لم تأخذ الموجة المدلول النّهائي، ففيها احتمالي الظّاهر والباطن، وما يحدّد الإتجاه النّهائي لها هو العلاقة الجدليّة مع الحرف الذي يبدأ التسلسل، في مسعى للولوج به إلى بابي الزّمكان.
    فإذا قرأنا دلالة مدارج حركات الحروف، وفق نسق مخارجها، يتبيّن لنا أنّ الحركة في المحور الأفقي تبدأ بهمزة ألف التّأليف. إذْ نُقطة الانطلاق من أقصى الحلق بالهمزة تهمز هاء الهواء، الّذي هو أساساً يخرج من جوف الرّئة قبل أنْ يصدح بالصّوت الّذي يحمله. عند المرور مُتدرّجاً من الحلق تنشأ حركة المعاينة بحرف العين. ثُمَّ يصعد في تعاظم متنامٍ بحرف الحاء، ثُمّ يعزّز بقوّة حرف القاف. وعند أدنى الحلق، يتمّ الغبش بحرف الغين، فيتدرّج صعوداً إلى الإخماد بحرف الخاء. إلّا أنّ الأنفاس تتابع حمل الأصوات، على متن حرف الهاء. عندما تصل إلى شجرة الفم، ونطع الغار، يتحرّك اللّسان لاعِباً أساسيّاً مُكتِّلاً بداية بحرف الكاف، ومضخِّماً بحرف الطّاء، ومعظِّماً بحرف الظّاء، وصادّاً بحرف الصّاد، ومُلزِماً بحرف الضّاد، ومُنشئاً بحرف النّون، ومُستجلباً الجهد بحرف التّاء، وموصِلاً بحرف اللّام، ومُكرّراً بحرف الرّاء، ومُتحسّساً بحرف الذّال، ومُثَنِّياً بحرف الثّاء، ودالاً بحرف الدّال إلى بوّابات ءَالة النّطق: اللّثة والأسنان للتصفية والإبراز بحرف الزّاء، والشّفتان لانطلاق النّطق، فإنْ هما أُطبقتا إطباقاً فللدّمج بحرف الجيم، أو سمحت وسهّلت المرور فهو بحرف السّين، وإن شعَّبته فبحرف الشّين، حتّى يصل مخرج الشّفتين، فيديمه حرف الياء، أو يفصل بأمره حرف الفاء، أو يسترجعه حرفُ الميم للإتمام، أو يتموضع بحرف الواو. ثمّ بعد ذلك يؤكّد انبثاقه حرف الباء، مُعيداً الصّوت إلى بداية انطلاق الحركات بالهمزة. وهذا ما يوضّح جدل الحرف.
    إنّ كلّ حركة عامّة من حركات الحروف، تتألّف من ثلاثة أصوات هي عبارة عن فعل ما، والحرف الثّالث في الحركة كما رأينا في التّسلسلات، يعمل عمل لام (فعل) في موضع التّلاحم بين الصّور الثّلاثة للأصوات. هو الّذي يوحّدها ويجمعها. فكلّ صوتٍ يأتي في ءَاخر اللّفظ يعمل حركته الخاصّة بأسلوب اللّام. وهذا ما يمثّل جدل اللّفظ، فكل لفظ هو مكان في ذاته وزمان كامن فيه، يظهر دوره في جدل السّياق.

    مظاهر حركة الألف أربعة: الهمزة، والواو، والياء، والألف اللّينة الممدودة. تُفاعِلُها صيغٌ لها في البناء اللّغوي هي: السّكون، والضمّة، والفتحة، والكسرة، كما بيّنا. تُعتبر هذه الصيّغ مادّةً لبناء الأصوات وتراصِّها مع بعضها. بدون هذه المادّة لا يمكن تشكيل المفردات. فهي الّتي تؤثّر على الصّورة النّهائيّة للصوت. وكلّ صوتٍ لا بدّ أن يرتبط بتوصيلةٍ واحدةٍ من هذه الأربعة، ليمكِّنه الارتباط بصوتٍ ءَاخرٍ كما لو كان كلُّ صوتٍ يعرّف نفسه للآخر مُستعملاً إشارةً من مادّته الأصلية الّتي تكوَّن منها. أقلُّ مُفردة لا بدّ أنْ تتألف من صوتٍ واحدٍ مُستقلٍّ مع واحدٍ من هذه الصّيغ الأربعة، لتكوين حركة تخصّ هذه المفردة الأحاديّة الصّوت. الهمزة كما قلنا، نقطةٌ لابتداء ظهور حركة الألف. مثلها مثل الخط يبدأ بنقطة. إذن، نقطة الأصل همزة مُطلقة بين خطَّين على محوري حركة صوت الحرف. يفترض أنّها بلا حركةٍ. ولكن بما أنّها جزءٌ من حركة الألف تكون الفتحة في أصل تكوينها. لكنّها قد تأخذ شكلاً زمانيّاً (الياء)، أو مكانياً (الواو). هذه الهمزة هي أوّل حركةٍ ممكنةٍ بدون تحريكٍ لأدوات النّطق. يمكن أن تكون أيضاً ءَاخر حركة الألف بالاتجاه المعاكس. فهي جزء منها ولا يمكن أن تتكوّن بدونها، أمّا حركة الألف نفسها فلا يتأثّر بها ولا يتوقّف وجودها عليها.

تناقض المسميات

تناقض المُسمّيات

إنّ الأسماء الخاصّة بالحروف، لها تسمية متّصلة بالحركة الدّاخلية للأصوات. وهي تنوّه في حقيقة الأمر إلى هذه الحركة. نستنطق دلالة التّناقض في مُسمّياتها، لمعرفة اتجاه حركتها، كما يلي:
أولاً: أحرف تسمّت بألف المد والهمزة: [ باء، تاء، ثاء، حاء، خاء، راء، زاء، ياء، هـاء، طاء، ظاء، فاء]. وسيلة الاتصال بين الحرف والهمزة ألف المدّ الزّمكاني، أي الممدودة بالفتحة (ا)، تؤكّد على أنّ الحركة هي بين بين في بُعدي الزّمان والمكان. وحيث أنّها تؤلّف ما بين متناقضين، فتوسّطها أظهر تحريك ما هو ثابت، ودلّ على أنّ تَناقض هذه الحروف هو مع سكون الهمزة واسترجاع الأنفاس لها، لذلك فهي حروف صارت مُتحرّكة أو مُحرّكة لغيرها، وفقاً لهذا التّناقض. على سبيل المثال: مُسمّى (فاء) دلالة التّناقض مع الهمزة، فإن عُكس الترتيب صارت: (ء-ا-ف). ومُسمّى (باء) صارت: (ء-ا-ب)، وهكذا هي مع باقي الحروف المتحرّكة بدلالة الهمزة، فالهمزة أوصلت الحرف إلى نهاية مُدركة ثمّ انكفأت لمكانها.
ثانياً: أحرف اعتمدت أسماؤها على حروفٍ أُخرى، لا تجمعها بها علاقةَ ظاهريّةً:
  1. (ص-ا-د)، و(ض-ا-د). تناقضهما مع الدّال المُندفعة. بينما تدلُّ الصّاد على الصّدّ والتّراص والتّعاضد، وتدلُّ الضاد على الالتزام والممانعة، وتناقضهما معاً في البعدين الزّمانيّ والمكانيّ، حيث الوسيط ألف الزّمكان هو مع الدّال؛ فإن عكس الترتيب لـ(صد) مَثلاً، صارت: (دص)، و(ضد) صارت: (دض)، تظهر أنّ الدّال في (دص)، و(دض)، غير متمكّنة من الاندفاع الدّلاليّ لصدود الصّاد وممانعة الضّاد.
  2. (د-ا-ل) و(ذ-ا-ل): الدّال المُندفعة الدّلالة، والذّال المُثيرة للحواس، تناقضت مع لام التّلاحم والاتصال؛ فلولا اندفاع الدّال المنطلق لَمَا توجّب حضور اللّام لإيقاف ولحم دلالتها، ولما استدعت ألف المدّ الزّمكانيّ لإنشاء وجود دلاليّ؛ لذلك نجد أنّ (لد) هي وجه مناقض جدليّاً لـ(دل)، فحيث توصّل الاندفاع إلى اللّام بدأ اللّام بالاندفاع بالدّال. و(لذ) كذلك مناقض لـ(ذل).
  3. (ع-ي-ن)، و(غ-ي-ن): التّعارض هنا مع نون الإنشاء والتكوين؛ فالمعاينة بالعين والتعمية بالغين، في تناقضهما مع الإنشاء بيّن وضروريّ فلسفيّاً ومنطقيّاًّ؛ لكي يكوّن المزمع إنشاءً وفقاً للمواصفات المعاينة بدقّة، أستوجب استدعاء حركة الزّمن، أي الياء، كوسيط لإبراز المدّة المطلوبة لهذه الحركة، لما يحتّمه من متابعة. نجد عند عكس ترتيب التسلسلين، أنّ (نع) تفيد الضّعف والنّعي، و(نغ) تفيد الوهن، فكأنّ عكس ترتيب مُسمّى الحرفين، أظهر جدل نقيضهما في المعنى.
  4. (ق-ا-ف)، و(ك-ا-ف): قاف قوّة البيان، وكاف التّكتل للمتآلف؛ هما حركتان إن استمرّتا في العنفوان أو في التّكتل تحيل الحركة إلى السّحق والمحق، لهذا جاءت فاء الفصل لتدل على النّقيض فيهما. أمّا توسّط ألف المد ها هنا، فهو أيضاً زمكاني بين بين؛ فنقيض (كف) هو (فك)، ونقيض (قف) هو (فق).
  5. (ج-ي-م): تناقض مسمّى (جيم)؛ الّتي تفيد الدّمج، هو مع ميم التّكامل، كي لا تعمل الجيم على منع الميم من تحرير حركة دمج الأشياء، ونقيضها هو (مج)؛ حيث تظهر أنّ جيم الدّمج أوقفت حركة ميم التّكامل.
  6. (ل-ا-م): تناقضها مع الميم أيضاً، لكن باتصال زمكانيّ بالألف، لحاجة التّوصيل إلى زمن ومكان، كونها تلحم وتنسج، لحاجة التلاحم إلى إتمام التكامل. وحيث أنّ (لا) هي نقيض (أل) فلا بدّ من أن لا يكون عملها بلا غاية أو بغير حساب، أو (لا إتمام)، فكانت ميم التكامل هي من يدل على تناقضها مع (لا)، كي لا يسمح بتلاحم عشوائيّ. يظهر نقيض (لم)؛ الّتي تفيد الجمع وكذلك الـ(لا إتمام)، هو (مل)، الّتي تفيد الملل والتوقّف عن المتابعة.
  7. (س-ي-ن) و(ش-ي-ن): سين: الهيمنة وبسط النّفوذ، أتت نون الإنشاء لتدل على حاجتها لنقيضها، والاتصال بالزّمن من خلال الياء، ليكون مِعياراً وأداة لِمدّة الإنشاء واستمراره؛ فـ(سن)، نقيضها (نس). وشين التّشعّب حالها كالسّين. فالتشعّب الماكر والمضلّل، دلالته مجال إنشائي وبمعيار زمني أيضاً، فـ(شن) نقيضها (نش).
ثالثاً: أحرف اعتمدت على تسمية نفسها بنفسها، فتناقضها داخليّ، وقد أسماها سلطان الأحرف الدّورية؛ إذ ينعطف أوّل الحرف على ءَاخره:
  1. (م-ي-م): حركتها زمنيّة، إذ أخذت وسيطاً ياء الزّمان. تناقضها ذاتي بين السّالب والموجب، فهي تلفظ بسلب الصّوت والهواء إلى داخل الفم مع إطباق الشّفتين، وهذه حال الإتمام الذي يراعي الظّاهر والباطن.
  2. (و-ا-و): تواصلها زمكانيّ، إذ أخذت لذلك وسيطاً ألف الزّمكان، فهي تخرج صوتاً بفتح الشّفتين وإطباقهما. ولئن استبطنت المكان فتناقضها داخلي في البعد الزّمكانيّ. حركة التموضع في حيّز تنظر فيما يناسب الحجم والسّعة.
  3. (ن-و-ن): تواصلها مكانيّ، إذْ الوسيط وهو الواو، فالإنشاء يتوجّب أنْ يتموضع في حيّز مكانيّ؛ تناقضها داخليّ التكوين، ففيها قبول ورفض. هذا الحرف يرمز به عند الصّوفيّة بـ(علم الإجمال).
صار مُمكناً الآن تفسير سبب دخول الألف، والياء، والواو في كُلِّ المفردات لتشكّل اشتقاقاتٍ متنوّعةً. فهي مادّةٌ خامٌ منتزعةٌ من مادّة ألف التأليف المتعدّدة الأشكال، والّتي لا زالت قابلة للاستعمال. لأنّ اللّسان لم يخفقها ولم يشكّلها بالصُّوَرِ الجامدة الّتي عليها باقي الأصوات. كذلك اتضح لنا مُبرّر تميّزها في النّحو والقواعد بتسميتها بأحرف العلّة، فهي تصيب جميع الحروف بلا استثناء وعلّة تشكّل أصواتها. كما أنّ هذه الحروف هي الأساس في الحركات. لذلك لا يمكن المدّ في الأصوات نفسها لأنّها جامدة. ويمكن المدّ فقط في المادّة المرفقة معها والّتي تمثّل تكوينها.
يبيّن الرّسم أدناه نشأة هيئة حركة حروف الأبجديّة العربيّة، من كمون الألف وتحفيز الهمزة مقاربة بين جدل الكون في نشوء العناصر، وجدل نشوء حروف الأبجديّة، كما يلي:
  • تحفيز الهمزة خروج هواء الرّئة يجابه بمعارضة فرضته ءَالة الصّوت بمدارجها، مكوّنة هيأة الحرف. هكذا يتمثّل صوت الحرف من تصادم تموّج الهواء في خروجه وعروجه من ءَالة النّطق، ومن النّبض بين الإنسياب والممانعة، والذي شكّل تناقضه هيئة الحرف.
  • محيط الدّائرة الأوّلى ميّز نبرة الصّوت.
  • المحيط الدّائري الثّاني الملاصق لفضاء الهمزة، يقارع المحور الأوّل بهدف تمييز التآلف والاختلاف في تشكّل الأبجديّة. بيّنت نبضة الصّوت ظهور حركته فـي هيئة تمايز المعنى. دلّ حراكها (بصيغ الألف) على القصد، من خلال الارتداد في الحروف الإثنى عشر: (باء، تاء، ثاء، حاء، خاء، راء، زاء، فاء، طاء، ظاء، هاء، ياء). بينما أظهرت الحروف الإثنى عشر الأخرى المقابلة لها جدلها مع مدارجها المختلفة. وتميّزت الحروف الثلاثة وهي الواو والنّون والميم بتناقضها الدّاخلي، وبقيت ألف المد غير منجذبة في حالة تعامد بين الزّمان والمكان.
  • أظهر المحيط الدّائري الثّالث المرمز بـ(ʅ) خروج النّبضة إلى العلن، لتشكيل الهيئة، وبناء دلالتها الحركيّة، بين السّالب والموجب. وميّز بين ما هو داخليّ، وما هو تناسقيّ، وما يفيد الارتداد. تفاعلت الحروف فيما بينها وتناقضت لتشكيل مسمّياتها..
  • بيّن المحيط الدّائري الرّابع، من خلال التناقض بالقصد والمعنى، إمكانيّة الموافقة والاختلاف، ودلالة تشكيل الثنائي.
  • عند تحريك أقراص حروف الأبجديّة الأربعة للدوائر الثّلاثة الأخيرة، المُبيّنة في الرّسم، باتجاهات مُختلفة، تنتقلُ الحروف لتأليف الكَلِمة والكلمات من الثّنائي إلى الثّلاثي والرّباعي والخماسي مُعبّرة عن جدل الوجود نفسه. هكذا يتسنّى لنا معرفة الاحتملات الممكنة في تركيب الألفاظ العربيّة.
الوصف هنا مسطّح توضيحي (ذو بعدين فقط)، بينما في الحقيقة هو مجسّم ذو أبعاد ثلاثة تتفاعل حركيّاً، يشابه النّجوم والأفلاك في طِباق السّماوات السّبع، كما وضّحنا في الملحق، فالحروف كالمجرّات في حراك مستمر لتشكيل الكلمات التي لا ينتهي احتمال تتابعها. ويمكن استعارة تصوّر ذهني لكرة من سبع أطواق مُطبقات فوق بعض، في حراك مستمر للأطواق ولجزيئات نشطة مرتبطة بالمركز؛ كما النّواة في الذّرّة، هذه النّواة هي الهمزة، والحروف متصلة بها من خلال ألف التـأليف وصيغها الأربعة. وهي أيضاً كمدارج سبعة، تتحرّك الحروف من خلالها وفق صيغ الألف. وقد وضّحنا جدليّة التناقض والتآلف بين الحروف من خلال «حركة الحروف في بنية الكَلِمة».

موجز البحث في الابجدية ودلالاتها

موجز البحث

توصّل بحث “الأبجديّة ودلالاتُها” إلى نتائج أهمّها: أوّلاً: قصد المعنى
- لكل حرف معنىً كامن في مسمّاه.
- لكل حرف توجّهٌ إمّا زمكانيّ بالفتحة أو مكانيّ بالضّمّة أو زمانيّ بالياء.
- الحرف الوسيط في المسمّى يأخذ بيد التوجّه لتعيين ما يبحث عنه، فإن كان هو (الكم) يكون الواو هو الأداة؛ كما في (نُون)، وإن كان هو (الكيف) يكون الياء هو الأداة؛ كما في (عَين)، وإن كان ما يبحث عنه غير مُعيّن تكون ألف المد؛ كما في (دَال).
- الحرف المقابل في المُسمّى؛ أي الثّالث، يظهر ما يستبطنه الحرف البادئ من خلال نقيضه في التوجّه والقصد؛ كما في اللّام والفاء في مسمّى الألف، والدّال واللّام في مسمّى الدّال.
ثانيّاً: ترتيب الأبجديّة
أبجد هوز حطي كلمن..إلخ، هو بترتيب نشأة الكون الذي بدأت بانفجار الطاقة العُظمى، متابعةً إلى النُّجوم الكُنُّس (الثّقوب السّوداء) ومن ثمّ إلى الفناء والغياب؛ كما انبثاق الباء من كمون طاقة الهمزة، فبدأت الأبجدية بألف التأليف وانتهت بغين التغييب.
ثالثاً: حركة الحروف بين الظاهر والباطن
استدرج البحث حركة ومخرج أصوات الحروف في مدارجها ومعارجها، التي ميّزتها أُذن السّامع في تشكيل هَيئةٍ تمّ حفظها ومن ثمّ تداولها، بعد أن صيغت نبضتها كنبرة. وقد بيّنا حركتي الخروج والعروج للموجة الصوتية لتعيين الظاهر والباطن، ومغالبة كل منهما للآخر، في ولوج بابي الزّمكان.
رابعاً: جدل التأليف الثنائي بين السّالب والموجب
- كما العناصر الكيماويّة فلكل حرف خاصِّية تميّزه عن غيره، فلسفيّاً وفيزيائيّاً ممّا يحدّد علاقته بالحروف الأخرى قبولاً أو رفضاً لتشكيل الكَلِمة وتعيين قصد معناها ومجال استخدامها.
- نشأة الحروف يحكم أيضاً دلالة انسجام بناء الكلمة مع انسجام التكوين. فالحرف اللاحق نشأة يعاكس في بناء المعنى إن كان هو البادئ، كما بين: (بد، ودب). والمُلاحظ أنّ لبعض الحروف حراك بالسّالب، فإن بُدئَ به تحوّل السّالب مع السّالب إلى موجب كما هي الحال مع حرف الحاء في (حَب،وبَح).
خامساً: تأليف الثّلاثي
يتكوّن الثّلاثي من مُفاضلة بين ثُنائيين مُحتملين. فإمّا أنْ يُشتق من كُلّ منهما قصدٌ لمعنى ويتابع استعمالاً، أو يفرض أحدهما حضوره ويهمل الآخر.
- مَثلُنا فيما يُتابع بمعنيين هو اشتقاق تسلسل (ع-ص-ر) من (عص+ر) في الدّلالة على المُعْصرات، و (ع+صر) في الدّلالة على العصر كزمن الخُسر.
- مثلنا فيما هو غير مستخدم تسلسل (ج-ر-ح)، الإشتقاق من: (جر+ح)، حيث حاء التعاظم التي في حراكها الدّاخلي تأبّى الجر، بما يماثل اختراق المعارضة واستيعابها داخليّاً، أو الاشتقاق من (ج+رح)؛ أي دمج وإلغاء تعاظم التكرار.
سادساً: تشكيل الكلام
تمّ تسليط الضّوء على الفرق بين كلٍّ من الكَلِمة والكَلْمة والكلام، وبين الكلام والقول، وبين اللّغة واللّسان، وبين المفردة والسّياق.
سابعاً: ميزان الاشتقاق
توصّل البحثُ إلى وضع ميزان يُحْتكَم إليه في تقصّي بُنية حركة المعنى لبعض من الإشتقاقات كثيرة الاستعمال.
ثامناً: الحركات الإعرابيّة
تناول البحث دلالة الحركات الإعرابية من خلال جدل التناقض.
تاسعاً: الكتابة والتنقيط
تناول البحث استقصاء تطوّر كتابة الحرف السّبئي، وما توحي بدلالته النّقط التي وضعت على بعض الحروف.
عاشراً: التطبيق
استوجب البحث الاحتكام إلى كلام العرب الوارد في التّنزيل القُرءَاني الكريم والمعاجم والشّعر العربيّ، للبرهان على دلالة معاني حركة الحروف.